أحمد بن ابراهيم النقشبندي

212

شرح الحكم الغوثية

وكما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه . فيا من يريد صفاء الأسرار يتشرّف بصحبة مولاه ، عليك بصحيح النظر ، وسماع الأخبار حتى يظفر قلبك بما يتمناه . 87 - من هيّمه أثر النظر ، وأقلقه سماع الخبر ، انقطع في مفاوز الخطرات ، ولم يلتفت إلى الآفات ، يقول في هيمانه : كيف السبيل إلى وصل أعيش به . أي : من نظر النظر الصحيح ، وفهم الفهم المليح ، وعلم ما خلق لأجله ، ومازج لحمه ودمه هذا العلم حتى استوت على قلبه ، وصار له كرأي العين يشهد في كل زمان ، وفي كل آن ، وأيد ذلك النظر بسماع الأخيار الواردة في الكتاب والسنة من الحث على العبادات ، وبذل الجهد في المجاهدات ، وصرف نفائس الأوقات ذخيرة وعدة ليوم الحسرات ، وسوق مطايا الأشواق شوقا للقاء الحبيب ، ورغبة في انزلاق هيمه ذلك النظر ، وأقلقه ذلك الخبر ، ورمى بنفسه في المهلكات . ( وانقطع في مفاوز الخطرات لا يلتفت إلى الآفات ، ويقول في هيمانه : كيف السبيل إلى وصل أعيش به ) ، فإن من تلذّذ بالمحبة رأى المحنة منحة ، واستعذب العذاب ، وهان عليه مفارقة الأصحاب . يشهد المر كالعسل ، ولا يبالي بمن أدبر عنه أو أقبل لا يتلذذ ، ولا يتغذى إلّا بذكر مولاه ، ولا يطمئن ولا يهتد إلّا بالدليل الذي يوصله إلى اللّه ، يخضع وينكسر لكل

--> - المعرفة تكون أولا علما وآخرا ذوقا ، ويحتمل أن يكون من عطف التفسير فتكون الأسرار هي المعارف ، واللّه تعالى أعلم . ومن أراد سرعة السير إلى هذا المقام فليفرغ قلبه ، وينظفه على التمام ، فبقدر التخلية تكون التحلية ، وبقدر التصفية تكون الترقية ، ولأجل هذا نهوا السائر عن التزوج وعن التعلق بالأسباب ، إذ لا يخلو من علقة ، فإذا تمكن من المعنى لم يبق له مراد إلا مراد معروفه ، وصار كل ما يبرز من عند مولاه تلقاه بالقبول ، فإن طال بالمريد السفر ، وتأخر عنه الفتح والظفر ، فلم يدرك هذه الأسرار ، ولم يكشف له عن تلك الأنوار ، فلا يستبطئ من ربه النوال ، فإنه جوّاد كريم ، ولكن يستبطئ منه وجود الإقبال .